ابن عجيبة

446

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قال البيضاوي : ولفظ التوفية يشعر بأنه قد يكون قبلها بعض الأجور ، أي : توفية بعض الأجور ، ويؤيده قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « القبر روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار » ، فَمَنْ زُحْزِحَ أي : بوعد عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ بالنجاة ونيل المراد ، وعنه صلّى اللّه عليه وسلم : « من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة ؛ فلتدركه منيّته وهو يؤمن باللّه واليوم الآخر ، ويأتي إلى الناس ما يحبّ أن يؤتى إليه » . وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا وزخارفها ولذاتها إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ ؛ فإن الغار - وهو المدلّس - يظهر ما هو حسن من متاعه ، ويخفى ما هو معيب ، كذلك الدنيا تبتهج لطالبها ، وتظهر له حلاوتها وشهواتها ، حتى تشغله عن ذكر اللّه وعن طاعته ، فيؤثرها على آخرته ، ثم يتركها أحوج ما يكون إليها ، فينقلب نادما متحسرا ، وفي ذلك يقول الشاعر : ومن يحمد الدنيا لشئ يسره * فسوف للعسر عن قريب يلومها إذا أدبرت كانت على المرء حسرة * وإن أقبلت كانت كثيرا همومها الإشارة : النفس ، من حيث هي ، كلها تقبل الموت لمن قتلها وجاهدها ، وإنما وقع التفريط من أربابها ، فمن زحزها عن نار الشهوات ، وقتلها بسيوف المخالفات ، حتى أدخلها جنات الحضرات ، فقد فاز فوزا عظيما ، وربح ربحا كريما . وباللّه التوفيق . ثم أمر بالصبر على فقد الأموال والإخوان ، وعلى أذى اليهود والمشركين ، فقال تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 186 ] لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 186 ) قلت : أصل ( تبلونّ ) : تبلوون كتنصرون ، ثم قلبت الواو ألفا ، ثم حذفت لالتقاء الساكنين ، فصار تبلونن ، ثم أكد بالنون ، فاجتمع ثلاث نونات ، حذفت نون الرفع فالتقى ساكنان ؛ الواو ونون التوكيد ، فحركت الواو بالضمة المجانسة ، وهي النائبة عن الفاعل . يقول الحق جل جلاله : واللّه لَتُبْلَوُنَّ أي : لتختبرن فِي أَمْوالِكُمْ ؛ بما يصيبها من الآفات ، وما كلفتم به من النفقات ، وَأَنْفُسِكُمْ ؛ بالقتل والجراحات ، والأسر والأمراض وسائر العاهات . وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا